الثلاثاء، 19 فبراير، 2008

مطبعة جوتنبرج

لم تتغير آلة الطباعة كثيرًا عما كانت عليه منذ عهد جوتنبرج وحتى القرن التاسع عشر. وفي حوالي عام 1800م قام أيرل أوف ستانهوب الإنجليزي بصنع أول مطبعة كل أجزائها من الحديد. وقام فريدريتش كوينج باختراع مطبعة ذات أسطوانة تُدار بالبخار في عام 1811م بألمانيا. وكانت الأسطوانة الدوارة تقوم بضغط الورق على الحروف المصفوفة على سطح الآلة المستوي. واستعملت صحيفة التايمز اللندنية مطبعة ذات أسطوانتين دوارتين تعمل بالبخار لأول مرة عام 1814م وتنتج 1,100 نسخة في الساعة.

وفي عام 1846م اخترع الأمريكي ريتشارد هو المطبعة الدوارة. فكانت حروف الطباعة تثبَّت في أسطوانة دوارة بينما تقوم أسطوانة أخرى بإتمام الطبع. واستطاعت النماذج الأولى من مطابع هو إنتاج 8,000 صفحة في الساعة. ثم أنتجت نماذج لاحقة من هذه المطابع 20,000 نسخة في الساعة. وتمكن الأمريكي وليم بولوك في عام 1865م من الطباعة على أطوال ورقية متصلة مخترعًا بذلك المطبعة الدوارة فائقة السرعة، التي تعمل بنظام الإمداد الورقي المتصل.

استمر الطبّاعون يمارسون التصفيف اليدوي للحروف كما فعل جوتنبرج منذ ما يزيد على أربعة قرون حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، كما تمكن أوتمار مرجنتيلر، وهو ألماني استوطن الولايات المتحدة، من تسجيل براءة اختراع مطبعة اللينوتيب. تميزت تلك الآلة بسبك سطر كامل من الحروف المصفوفة، في قطعة واحدة من المعدن، مما أضفى تحسنًا كبيرًا على عملية جمع حروف الطباعة، تمكن الأمريكي تولبيرت لانستون في عام 1887م من اختراع مطبعة المونوتيب التي تسبك وتُصف الحروف في قطع منفصلة.

تطورات تجهيز ألواح الطباعة. في عام 1826م قام عالم الطبيعة الفرنسي جوزيف نيسفور نيبس بعمل أول صورة فوتوغرافية في العالم. وأتاح هذا الإنجاز وما تبعه من تطور في التصوير الضوئي، تحقيق الكثير في مجالات الحفر الضوئي بوسائل التصوير الضوئي، كاستعمال المرشّحات الشبكية لتكسير الظلال إلى مساحات نقطية، والتصوير الليثوغرافي والأساليب الحديثة في طباعـة الأسطـح المستويـة الأوفْست.

وفي عام 1852م سجل الإنجليزي و. هـ. فوكس تولبوت، براءة اختراع الحفر الضوئي. كما قام الأمريكيان ماكس ولويس ليفي بتحسين المرشِّح الشبكي للظلال في الثمانينيات من القرن التاسع عشر. كما اخترع الفرنسي ألفونس لويس بواتيفن التصوير الليثوغرافي عام 1855م، وفي آخر الثمانينيات من القرن التاسع عشر ظهرت مطابع الأوفست في أوروبا. واستُعملت هذه النماذج المبكرة من المطابع، لطباعة رقائق من معدن الصفيح اللازمة لصناعة العلب والصناديق.

وفي حوالي عام 1905م اكتشف صانع ورق وطبّاع أمريكي يُدعى آيرا روبل، بمحض الصدفة، الطباعة بطريقة الأوفست. ففي أثناء عمله، نقل عن غير قصد الأشكال المحبرة من سطح لوح الطباعة المستوية إلى الغطاء المطاطي لأسطوانة الضغط الطباعي بدلاً من نقلها على الورق. وعندما تحرك الورق تحت الأسطوانة طُبع الشكل العالق بالغشاء المطاطي على الورق. ولاحظ روبل الوضوح غير العادي للشكل المنقول على الورق. وأعقب ذلك تحسينات على طباعة الأوفست ومالبث هذا النمط الطباعي أن عم وانتشر.

ومنذ الثلاثينيات من القرن العشرين أجري من التحسينات على الطباعة ما لم يتم في كل السنين التي أعقبت جوتنبرج. ولحق بصناعة الطباعة الكثير من التغيير والتطوير كالجمع التصويري والصف بوساطة الحاسوب والمسح الإلكتروني للألوان.

الطباعة في العالم العربي والإسلامي. عرف العرب الطباعة بالقوالب الخشبية التي انتقلت إليهم عن طريق الصينيين، وذلك بعد ظهور الإسلام بثلاثة قرون تقريبًا. وكان العرب قد أقبلوا على نسخ الكتب بالخط العربي الذي تفننوا فيه حتى غدا تصميما جماليا لا غناء عنه. ولما ظهرت الطباعة في أوروبا لم يتحمس لها بعض العرب حرصًا على دوام الكتابة بالخطوط العربية التي ألفتها العين، ولخشيتهم أن تمحو الآلات هذا الخط، فضلاً عن رفض بعض المسلمين طباعة القرآن الكريم في الآلات الجديدة.

لم تكن هناك طباعة في العالم العربي غير الطباعة بالقوالب الخشبية التي ظهرت واستخدمت في الفترة من عام 288هـ إلى 751هـ، 900م إلى 1350م. وتحتفظ المكتبة الوطنية في فيينا وبعض المكتبات في أوروبا ببعض ما طبع بهذه الطريقة في مصر وانتقلت هذه القوالب الخشبية التي كانت الطباعة تتم بها في مصر إلى أوروبا، حيث دام العمل بها نحو أكثر من قرن حتى ظهرت مطبعة جوتنبرج.

ظهرت أول حروف طباعة عربية على يد مارتن روث عام 892هـ، 1486م الذي طبع ترجمة لكتاب برنارد برايدنباخ عن رحلته إلى الأماكن المقدسة، وكانت المحاولة الثانية في أسبانيا عام 911هـ، 1505م بصدور كتاب وسائل تعلم قراءة اللغة العربية ومعرفتها، وفي عــام 922هـ، 1516م نشر كتاب المزامير بخمس لغات هي العربية والكلدانية واللاتينية واليونانية والعبرانية في جنوه بإيطاليا. والمحاولة الثالثة كانت طبع الإنجيل عام 1000هـ، 1591م. وفي لبنان طبعت المزامير بالعربية عام 1019هـ، 1610م، وأول مطبعة أنشئت بها عام 1165هـ، 1751م ولم تستمر. وظهرت أول مطبعة في تركيا عام 1140هـ، 1727م شريطة ألا يُطبع عليها القرآن الكريم، وأول كتاب طُبع فيها هو ترجمة قاموس وانقولي عام 1141هـ، 1728م. وكانت حلب أول مدينة سورية تدخلها الطباعة، ثم انتقلت مطبعتها إلى دمشق.

وعرفت مصر المطابع مع قدوم الحملة الفرنسية عام 1213هـ، 1798م لكنها توقفت بعد رحيل الحملة عام 1216هـ، 1801م، وأسس محمد علي أول مطبعة، لازالت باقية حتى الآن، وهي مطبعة بولاق عام 1235هـ، 1819م وكان أول ماطبعته قاموس عربي إيطالي واستمرت تطبع كل المطبوعات بما فيها الوقائع المصرية. وعُرفت أول مطبعة حجرية بالعراق عام 1246هـ، 1830م ولم تستمر طويلا، ثم ترسخت الطباعة واستقرت بها عام 1856م. وعُرفت الطباعة بفلسطين عام 1246هـ، 1830م وفي اليمن عام 1294هـ، 1877م وفي الحجاز 1299هـ، 1882م، وفي السودان في بداية العقد الثامن من القرن التاسع عشر الميلادي وبالأردن عام 1341هـ، 1922م وبالكويت عام 1366هـ، 1947، وكانت معظمها من أجل طباعة الكتب والصحف.

واليوم تستخدم المطابع العربية أحدث أجهزة الطباعة في العالم في الجمع والطبع والإخراج والمونتاج والقص والتجليد والتطبيق وغيرها واستوعبت عددا كبيرًا من العمال الفنيين وأصبح لها دور بارز في تطوير الأعمال التجارية والسياحية والثقافية.